أقدار الله تثبيت لا تشتيت

أنت صبرت وتصبَّرت، ورفعت يدك إلى الله في هذا الابتلاء، ومع طيِّ السنين سنةً بعد سنة، يزداد إحسان ظنك بربك، ولعل الفرج يكون في هذا العام.
أنت الذي اصطفاك الله بهذه الشدة، وكفَّر بها ذنوبك وسيئاتك، ورفع منزلتك، ولعل الله أحب دعاءك ومناجاتك. ألهذا تيأس؟
لا والله، لا تيأس ولا تحزن، فإن العوض قادم بإذنه، سيكرمك، ويلبسك حلية الفرج، ويسعد عروق قلبك، ولن يبقى للشدة مكان في صدرك، فقد اتسع للعوض بإذن الرحمن.
بعد أن تقرأ هذا الكتاب، أوصيك أن تعيد قراءته مرةً أخرى، لأن ما كُتب هنا قد لا يقوله الناس بعد الفرج، وبعد رؤية العوض وتبدل الأحوال. سينسون آلامهم، وتتبدل أحوالهم، ويرتفع شأنهم، ولو سألتهم لنسوا ما أصابهم.
وتذكر أن العوض الجميل من الله، لا يشبه عوضًا من خليل ولا من حبيب، وإذا خسرت نفسًا، أو مالًا، أو مكانةً، فاختر عوض الله ولا تبالِ، ولا تحزن حزنًا تجعل من الدنيا أمرًا كبيرًا، وما وقعها بالكون إلا صغير.
الجميع راحلون، الواحد تلو الآخر، والجميع سيلتقون، لكن لا نعلم كيف اللقاء سيكون؛ هل هو بين نارين أم بين جنتين؟ لذلك احرص تمام الحرص على أن تصغر جميع أمورك الدنيوية، ولا سيما الماديات.
ولتصغير الدنيا في قلبك، كبِّر التوحيد في عقلك. هذا ليس كلامًا تعبيريًا أو شاعريًا، بل معنى اعتقادي راسخ، تكون جذوره قوية لا تهتز من كثرة الأقدار. وأبسط تعبير تكفيه الحروف: أنك تقوم من الصباح حتى تنام وهمُّك كيف ترضي الله.
وعند خسارتك أمرًا ماديًا تعتقد أن بوجوده ستكون له علامة فارقة في خريطة نجاحك بالحياة، فأنت إذًا لا تعلم كيف يدبر الله الأقدار.
اجعل من اللحظة التي سمعت فيها أنك فقدت أمرًا، أن تحمد الله فورًا؛ فالله حاشاه أن يسلب منك شيئًا إلا وفي ذلك حكمة قد تعلمها أو لا تعلمها، إما أن الأمر سيكون شؤمًا عليك في المستقبل، أو يجلب لك المعاصي دائمًا، أو باختصار لا يرضي الله، ولعل من فضل الله عليك أن صرفه عنك قبل أن يكون سببًا في شقائك، أو يدخر لك خيرًا أعظم.
وإذا كنت تعتقد أن من سلكوا طريق مرضاة الله ليسوا سعداء، أو لأن المصائب تتوالى عليهم، [فاعلم أنها قدتكون أقدار تثبيت لا تشتيت].
من حكمة الله أن يجعل بعض الأقدار سببًا في تثبيت عباده. اسمع لأقوالهم، ستجدهم في بحور من الطمأنينة والثقة بالله. واعلم أن الله يمهد لهم أقدارًا لا تشبه الأقوال.
فلا تزهد في الدنيا والله مالكها، بل اطلب وأكثر، فإن من الأدعية ما هو مقبول، ومنها ما هو مدفوع. فأنت لا تعلم كم دعاءً ألححت به على الله ليستجيب لك ولم ترَ الإجابة، لكنك يوم القيامة ستتفاجأ أن هذا الدعاء قد دفع عنك موتًا محققًا، أو مكرًا مؤيدًا، أو حتى مرضًا مؤبدًا كان سيربطك بالفراش طول الحياة. دعاء تعجبت من عدم إجابته، وكان لك كالغطاء من أقدار هالكة.
اطلب من الله العوض، ولا تستحِ، واطلب حتى تصل إلى حد تشعر أنك لست أهلًا للإجابة؛ فإن وصلت هذا الحد فأرجو أنك قد حققت توحيد الطلب، فلم ترَ إمكانياتك ولا قدراتك، بل وثقت بالله، فهنيئًا لك هذه العبادة، وحسن الظن بالله، وأنك تعبدت الله بتوحيد الطلب، فلم تتوكل على غيره، واستعنت به.
أذلك أمر هيِّن على الله؟ لا والله، أبشر بسعدك وطيب العوض، والأرزاق تنهال عليك بإذن الرحمن.
لذلك، في هذا الكتاب سنتطرق إلى أسئلتك التي كانت تدور في عقلك دون حراس، ولا عيب فيها ولا حرج منها، ما دمت تسأل وتتفكر: لماذا طالت الشدة؟ ولماذا الأبواب مؤصدة دون مفاتيح؟
ولأن التفكر وكثرة السؤال لا يفيدان إلا إذا كان حسن الظن بالله هو درعك وجلبابك في هذه الرحلة، فلا يهمك إن كانت الأقدار تسقطك، أو حتى أحرقت أطراف بدنك على مر السنين، بقدر ما يهم أنك ما زلت تحمل في قلبك حسن الظن بربك؛ لأن محال أن يكون هذا القدر إلا لأجل شيء.
أسئلتك منطقية، وهي من خواطر البشر، وإذا كنت تريد الجواب الشافي والكافي، فإن ما كُتب هنا في الكتاب سيكون كالرفيق معك في رحلة الابتلاء، وأسأل الله أن يكون لي عونًا ومؤيدًا، ويبارك لي في كل هذه السطور والكلمات. وما كتبته هنا إلا اجتهاد، ويقين شديد بأن الله كريم عظيم لا يخيب عبدًا لجأ إليه وتوكل عليه، وأن عند الله خزائن لا تنفد، وكنوزًا عظيمة في قدرها، تنزل من السماء بمشيئة الله، وبإذن الله، وبعلم الله.
ولا تعتقد أن الأقدار ثابتة وتمضي على نفس الاتجاهات، بل قد يغير الله من أقدارك بسبب دعائك وطاعتك، ما دمت موحدًا لله، وتؤدي الفرائض، وتدعو وترجو الله وحده دون سواه. فالخير بعدها كبير وعظيم، لكن تمسك أنت بخطام الرحلة، وأبشر بسعدك، وبما تريده عيناك أن تناله وترجوه، فإن الله لا يعجزه شيء، ولا تعجزه مسألة، تبارك ذو الجلال والإكرام، المنزه عن الأشباه والأنداد.
الكتاب متاح رقمي PDF على الجوال – اضغط هنا





يارب يا كريم المقال جا في وقته بلسم على الجرح جزاج الله خير يا نوره
جزاك الله خيراً
ماشاء الله تبارك الله ، وجزاك خير الجزاء.
جميل جدا 👍
جزاك الله خيرا ونفع بك وسدد خطاك
اسم الله المالك من أعظم الأسماء لما تواجه شي بالدنيا ولله الدعاء بالأسم العظيم ذا له وقع في القلب يعليك ويصغر مطلبك احساس ان الله المالك المتصرف بذا الكون له جلاله بالقلب الحمدلله..
يبدوا انها بتصير صفحتي المفضله سعدت بقراءة المقال.
“لتصغر الدنيا في قلبك ، كبر التوحيد في عقلك”
” اقدار تثبيت لا تشتيت”
والكثير من الكلمات والعبارات التي تلامس القلب ، مذهله جزاك الله خيرا ❤️
الله يكتب أجرك وينفع بك
مقال عظيم وكلماته وقعها على القلب كبير
شكرا من القلب